محمد بن جرير الطبري

447

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

ذلك صحيحا بالذي استشهدنا عليه ، ( 1 ) فتفريقه بين المرء وزوجه : تخييله بسحره إلى كل واحد منهما شخص الآخر على خلاف ما هو به في حقيقته ، من حسن وجمال ، حتى يقبحه عنده ، فينصرف بوجهه ويعرض عنه ، حتى يحدث الزوج لامرأته فراقا . فيكون الساحر مفرقا بينهما بإحداثه السبب الذين كان منه فرقة ما بينهما . وقد دللنا ، في غير موضع من كتابنا هذا ، على أن العرب تضيف الشيء إلى مسببه من أجل تسببه ، وإن لم يكن باشر فعل ما حدث عن السبب ، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع . ( 2 ) فكذلك تفريق الساحر بسحره بين المرء وزوجه . وبنحو الذي قلنا في ذلك قاله عدد من أهل التأويل . * ذكر من قال ذلك : 1703 - حدثنا بشر بن معاذ قال ، حدثنا يزيد بن زريع قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة : ( فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه ) ، وتفريقهما : أن يُؤَخِّذَ كل واحد منهما عن صاحبه ، ( 3 ) ويبغض كل واحد منهما إلى صاحبه . * * * وأما الذين أبوا أن يكون الملكان يعلمان الناس التفريق بين المرء وزوجه ، فإنهم وجهوا تأويل قوله : ( فيتعلمون منهما ) إلى " فيتعلمون مكان ما علماهم ما يفرقون به بين المرء وزوجه ، كقول القائل : ليت لنا كذا من كذا " ، أي مكان كذا ، كما قال الشاعر : ججَمَعَت من الخيرات وَطبا وعلبة . . . وصرا لأخلاف المُزَنَّمة البزل ( 4 )

--> ( 1 ) في المطبوعة : " فإن كان ذلك صحيحا " ، والأجود ما أثبت . ( 2 ) انظر ما سلف 1 : 196 . ( 3 ) أخذه تأخيذا . والتأخيذ : حبس السواحر أزواج النساء عن غيرهن من النساء ، ويقال لهذه الحيلة : الأخذة ( بضم فسكون ) . ( 4 ) لم أعرف قائلهما ، ولم أجدها إلا في أمالي الشريف المرتضى 1 : 421 ، وكأنه نقلهما عن الطبري ، لأنهما جاءا في تفسير هذه الآية ، على هذا المعنى . والوطب : سقاء اللبن خاصة . والعلبة : جلدة تؤخذ من جنب البعير ، فتسوى مستديرة ، ثم تملأ رملا سهلا ، ثم تضم أطرافها بخلال حتى تجف وتيبس ، ثم يقطع رأسها وقد قامت قائمة لجفافها تشبه قصعة مدورة ، فكأنها نحتت نحتا ، ويعلقها الراعي ويشرب بها ، وله فيها رفق وخفة لأنها لا تنكسر إذا حركها البعير أو طاحت إلى الأرض . والصر : شد ضرع النوق الحلوبات إذا أرسلوها للمرعي سارحة ، ويسمون ذلك الرباط : صرارا . والأخلاف جمع خلف ( بكسر فسكون ) ، وهو ضرع الناقة أو البعير إذا استكمل الثامنة وطعن في التاسعة ، وبزل نابه ، أي انشق عن اللحم . وهو أقصى سنه وتمام قوته . وفي المطبوعة هنا " المذممة " ، وفي أمالي الشريف : " المزممة " ، وفي نسخة أخرى منها " المزهمة " ، وقد علق أحد أصحاب الحواشي على الأمالي فقال : " المزممة : التي علق عليها الزمام " . واخترت أن تكون " المزنمة " فهي أشبه بهذا الشعر . يقال : ناقة مزنمة وهي التي عليها سمة التزنيم ، وهو أن يقطع طرف أذنه ويترك له زنمة مشرفة . وإنما يفعل ذلك بالكرام من الإبل . وهذا هجاء يقول له : إنما أنت راع خسيس ، ترعى على السادة الكرام كرام إبلهم ، ولا تجمع من خيرات ما يتمتع به سادتك ، إلا وطبا وعلبة وعلاجا لإبلهم التي ترعاها عليهم .